القاضي عبد الجبار الهمذاني
5
المنية والأمل
--> وكان علماء التابعين في ذلك العصر ، مع أكثر الأمة يقولون : إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن ، لما فيه من معرفة بالرسل ، وبالكتب المنزلة من اللّه تعالى ، ولمعرفته بأن كل ما جاء من عند اللّه حق . ولكنه فاسق بكبيرته ، وفسقه لا ينفى عنه اسم الإيمان والإسلام . فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز ، واختلف الناس / في أصحاب الذنوب على ما ذكرناه ، خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة ، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ، ولا كافر ، وجعل الفسق منزلة من منزلتي الكفر والإيمان . فلما سمع الحسن البصري من واصل بدعته هذه ، طرده * من مجلسه ، فاعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة ، وانضم إليه صديقه عمرو بن عبيد . فقال الناس يومئذ فيهما : إنهما قد اعتزلا قول الأمة ، وسمى أتباعها من يومئذ معتزلة . 3 - وأما الأسفرايينى فيرى أنهم : سموا معتزلة ، لاعتزالهم مجلس الحسن البصري ، واعتزالهم قول المسلمين . 4 - وهناك رواية أخرى ، تنسب كلمة الاعتزال إلى عمرو بن عبيد ، فالمقريزى والسمعاني يوردان الأمر على هذه الصورة : المعتزلي ، هذه نسبة إلى الاعتزال - وهو الاجتناب . والجماعة المعروفة بهذه العقيدة إنما سموا بهذا الاسم ، لأن أبا عثمان عمرو بن عبيد ، أحدث ما أحدث من البدع ، وأعتزل مجلس الحسن البصري وجماعة معه فسموا « معتزلة » . ويذهب ابن قتيبة إلى الشيء نفسه في « عيون الأخبار » فيقول : وكان يرى رأى القدر ويدعو إليه ، وأعتزل هو وأصحاب له فسموه « المعتزلة » . 5 - وثمة رواية أخرى تقرر : أن الّذي سماهم بذلك ، قتادة بن دعامة السدوسي ( المتوفى سنة 117 - 118 ه ) . وهو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأكمه ، كان تابعيا وعالما كبيرا . وكان يدور البصرة أعلاها وأسفلها بغير القائد ، فدخل مسجد البصرة ، فإذا بعمرو ابن عبيد ونفر معه ، فأمهم - وهو يظن أنها حلقة الحسن البصري - فلما علم أنها ليست له قال : « إنما هؤلاء المعتزلة » ، ثم قام عنهم ، فمنذ يومئذ سموا « المعتزلة » . ويقال ، أنه ذكر هذا بعد وفاة الحسن البصري . وينتهى جوهر هذه القصة ، إلى أن الاسم أطلق عليهم نكاية بهم وسخرية ، وانهم اعتزلوا مذهب الأمة جمعاء . 6 - أما كارلوا الفونسو نللينو ، فإنه في مقالته « بحوث في المعتزلة » يصل النتيجة الآتية : أن اسم المعتزلة - لم يطلق على الذين أنشئوا المدرسة الكلامية الجديدة ، للدلالة على أنهم انفصلوا عن أهل السنة ، أو تركوا مشايخهم القدامى ورفقاءهم - وإنما أطلق للدلالة على موقفهم كأناس مبتعدين محايدين ، بين طرفي رجال الدين والسياسة في وقت ما ، ممتنعين هكذا عن الخصومات والمنازعات القائمة بين المسلمين . فاسم المعتزلة ، لم يطلقه عليهم أهل السنة ، وإنما اختاره المعتزلة أنفسهم ، للدلالة على موقفهم الخاص في هذه المسألة ، ويؤيد فكرته هذه بنصوص تاريخية ، توضح أصل اسم المعتزلة ، وهذه النصوص تثبت أن الكلمة أطلقت - كاصطلاح - على طائفة من الأشخاص عام 35 ه ، لم يروا مبايعة على ، ولو أنهم ليسوا من شيعة عثمان